خباب بن الأرت

 رحم الله خبابا فلقد أسلم راغـباًَ وهاجر طائعـاً وعـاش مجاهداً  
                                                         عـلى بن أبى طالب ( رضى الله عـنه )

 بينما كان هذا الصبى الذكى المبارك ( خباب بن الأرت ) يعـيش بين أهله وأحبابه من قبيلة ( بنى تميم ) إذ أغـارت قبيلة أخرى عـلى قبيلته فسبت النساء واستاقت الأنعـام وأخذت الذرارى وكان هو من بينهم .
 وظل ( خباب ) تتداوله الأيدى حتى وصل إلى مكة فاشترته ( أم أنمار الخزاعـية ) من سوق النخاسين بعـد أن رأت فيه ما يغـريها عـلى شرائه من صحة البدن وعـلامات الذكاء والفطنة ، ومضت به إلى بيتها ، ثم دفعـته بعـد ذلك إلى قين - حداد ، ليتعـلم منه فن صناعـة السيوف .
 وبالفعـل لم تمض سوى فترة يسيرة حتى أتقن الغـلام فن صناعـة السيوف ، بل وصار بارعـاً فى صناعـتها فاستأجرت له ( أم أنمار ) دكاناً ليتولى هو بنفسه صناعـة السيوف ولتربح من ورائه الكثير والكثير .
 وكان الناس تزداد ثقتهم به يوماً بعـد يوم مما يرون من براعـته فى صناعـة السيوف ، بل ومن صدقه وأمانته وأخلاقه الطيبة وبسمته التى لا تفارق وجهه .

 النور يشق ظلام الجاهلية :

 وظل خباب عـلى تلك الحالة وهو يفكر ليلاً ونهاراً ويقول فى نفسه : كيف الخلاص من تلك الجاهلية التى يعـيشها الناس فى تلك المجتمعـات ، والتى كان هو ضحية من ضحاياها .
 وإذا بالنور يأتى ليشق ظلام الجاهلية ، فيسمع خباب من الناس من حوله أن هناك فتى يزعـم أنه نبى ، وأن الله أرسله إليهم ، فأحس خباب أن الله أحياه فى تلك اللحظة وفى التو واللحظة ترك دكانه ومضى إلى النبى صلى الله عـليه وسلم وأقدامه تسابق الريح .
 إنه يبحث عـن خيط ، بل عـن زورق النجاة فى بحار الفتن ، وها هو زورق النجاة جاء قريباً منه وما عـليه إلا أن يمسك بطرف الخيط ليركب هذا الزورق الذى فيه النجاة .
 وما إن رأى الحبيب صلى الله عـليه وسلم حتى دمعـت عـيناه وبسط يده ونطق الشهادتين ، فكان سادس ستة أسلموا فى هذا الكون كله لله - جل وعـلا .

  ثبات عـلى المبدأ :

  عـن خباب قال : كنت قينا بمكة ، فعـملت للعـاص بن وائل سيفا ، فجئت أتقاضاه ، فقال : لا أعـطيك حتى تكفر بمحمد فقلت : لا أكفر بمحمد صلى الله عـليه وسلم حتى تموت ثم تبعـث ، فقال : إذا بعـثت كان لى مال ، فسوف أقضيك ، فقلت ذلك لرسول الله صلى الله عـليه وسلم فأنزلت : ( أفرأيت الذى كفر بآياتنا ) .

 رحلة العـذاب فى سبيل الله :

 وما إن لامس الإيمان شغـاف قلبه ، الذى كان فى أشد شوقه لهذا النور ، حتى قام لينفض غـبار الجاهلية ويصدع بكلمة الحق لا يصده صاد ولا يرده راد فقام وأعـلن إسلامه .
 وما إن وصل خبر إسلامه إلى ( أم أنمار ) حتى مضت إليه مع أخيها ( سباع ابن عـبد العـزى ) ومعـهما مجموعـة من فتيان ( خزاعـة ) ومضوا إلى خباب وبعـد أن تيقنوا من خبر إسلامة قاموا جميعـاً يضربونه ويعـذبونه أشد أنواع التعـذيب .
 فكانوا إذا اشتدت الهاجرة وكادت الشمس أن تذيب الصخور أخرجوه إلى بطحاء مكة ، ونزعـوا عـنه ثيابه وألبسوه دروع الحديد ومنعـوا عـنه الماء حتى إذا بلغ منه الجهد كل مبلغ طلبوا منه أن يكفر بدين محمد صلى الله عـليه وسلم وأن يقول خيراً فى اللات والعـزى ، فيأبى خباب بكل عـزة وثباث أن يفعـل ما يريدون .
 لقد كان حظ ( خباب ) من العـذاب كبيراً ولكن صبره وتضحيته من أجل الحق كانت أكبر وأعـظم بكثير .
 لقد كانوا يقاومون إيمانه بالعـذاب ، وكان هو يقاوم العـذاب بالصبر والتضحية .
 وكان - رضى الله عـنه ، مولى لأم أنمار بنت سباع الخزاعـية ، فكان المشركون يذيقونه أنواعـاً من التنكيل ، يأخذون بشعـر رأسه فيجذبونه جذباً ، ويلوون عـنقه تلوية عـنيفة ، وأضجعـوه مرات عـديدة عـلى فحام ملتهبة ، ثم وضعـوا عـليه حجراً ، حتى لا يستطيع أن يقوم .
 لقد حولوا كل الحديد الذى كان عـنده يصنع منه السيوف إلى قيود وسلاسل يحمى عـليها فى النار حتى تستعـر وتتوهج ثم يطوقون بها جسده ويديه وقدميه .
 حتى قال خباب : ( شكونا إلى رسول الله صلى الله عـليه وسلم وهو متوسد بردة فى ظل الكعـبة ، فقلنا : ألا تستنصر لنا ، إلا تدعـو لنا ؟ فقال : ( قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له فى الأرض فيجعـل فيها ، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع عـلى رأسه فيجعـل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعـظمه ما يصده ذلك عـن دينه ، والله ليتمن الله تعـالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعـاء إلى حضرموت فلا يخاف إلا الله والذئب عـلى غـنمه ن ولكنكم تستعـجلون .
 إن النبى صلى الله عـليه وسلم لا يدخر جهداً فى نصح أصحابه وتربيتهم عـلى الصبر والثبات والثقة بنصر الله - عـز وجل ، ووعـده ، فقد أتاه خباب بعـد أن عـذب هذا العـذاب الأليم والنبى صلى الله عـليه وسلم يعـلمه بل ويعـلم الأمة كلها أن أصحاب الدعـوة لا بد لهم من الابتلاء ن فإن ثبتوا عـلى الحق وآثروا مراد الشرح نصرهم الله - عـز وجل وأعـزهم ، فلا يتم التمكين إلا بعـد المحنة والصبر والثبات .
 وتلك هى سنة الله فى عـبادة المؤمنين ، تلك السنة التى لا تتبدل ولا تتغـير أبداً .
 قال تعـالى : ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعـلمن الله الذين صدقوا وليعـلمن الكاذبين ) ، وقال تعـالى : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معـه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) .
 قال ابن القيم - رحمه الله : والمقصود : أن الله سبحانه اقتضت حكمته أنه لابد أن يمتحن النفوس ويبتليها ، فيظهر بالامتحان طيبها من خبيثها ، ومن يصلح لموالاته وكرامته ومن لا يصلح ، وليمحص النفوس التى تصلح له وبخلصها بكير الامتحان ، كالذهب الذى لا يخلص ولا يصفو من غـشه إلا بالامتحان ، إذ النفس فى الأصل جاهلة ظالمة ، وقد حصل لها من الجهل والظلم من الخبث ما يحتاج خروجه إلى السبك والتصفية ، فإن خرج فى هذه الدار وإلا ففى كير جهنم ، فإذا هذب العـبد ونقى أذن له فى دخول الجنة .

 العـدل الإلهى والجهرة المباركة :

 فلما رأى رسول الله صلى الله عـليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء ، وما هو فيه من العـافية ، لمكانه من الله ومن عـمه أبى طالب ، وأنه لا يقدر عـلى أن يمنعـهم مما هم فيه من البلاء ، قال لهم : ( لو خرجتم إلى أرض الحبشة ، فإن بها ملكا لا يظلم عـنده أحد ، وهى أرض صدق ، حتى يجعـل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه ) فخرج عـند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عـليه وسلم إلى أرض الحبشة ، مخافة الفتنة ، وفراراً إلى الله بدينهم ، فكانت أول هجرة كانت فى الإسلام .
 ولما أذن الرسول صلوات الله وسلامه عـليه لأصحابه بالهجرة إلى المدينة تهيأ خباب للخروج ، غـير أنه لم يبارح مكة إلا بعـد أن استجاب الله دعـاءه عـلى أم أنمار ، فقد أصيبت بصداع لم يسمع بمثل آلامه قط ، فكانت تعـوى من شدة الوجع كما تعـوى الكلاب ، وقام أبناؤها يستطبون لها فى كل مكان ، فقيل لهم : أنه لا شفاء لها من أوجاعـها إلا إذا دأبت عـلى كى رأسها بالنار ، فجعـلت تكوى رأسها بالحديد المحمى ، فتلقى من أوجاع الكى ما ينسيها آلام الصداع .

 وحان وقت العـمل لهذا الدين :

 وبعـد تلك الهجرة المباركة والنجاة من عـذاب كفار قريش آن لهذا الجسد المتعـب أن يستريح قليلاً ليسترد قواه وليبدأ مرحلة جديدة من العـمل لهذا الدين .
 فذاق خباب طعـم الراحة التى حرم منها زماناً طويلاً ، ذاقها لأول مرة عـندما أسلم بين يدى الحبيب صلى الله عـليه وسلم وذاقها مرة أخرى يوم أن هاجر إلى المدينة والتقى بإخوانه من الأنصار .
 وها هو يبدأ صفحة جديدة مليئة بالجهاد والبذل والتضحية ، فيشهد مع النبى صلى الله عـليه وسلم غـزوة بدر .
 ثم يشهد غـزوة أحد ويثلج الله صدره ويقر عـينه برؤية ( سباع بن عـبد العـزى ) أخى ( أم أنمار ) وهو يلقى مصرعـه عـلى يد أسد الله وأسد رسول الله صلى الله عـليه وسلم ( حمزة بن عـبد المطلب ) رضى الله عـنه .
 وشهد ( خباب ) المشاهد مع رسول الله صلى الله عـليه وسلم وهو يتمنى أن ينال الشهادة فى سبيل الله .

 وحان وقت الرحيل :

 وطالت الحياة بخباب حتى أدرك عـهد الخلفاء الأربعـة - رضى الله عـنهم ، وكانوا يحبونه ويوقرونه ويعـرفون له قدره ومنزلته .
 فها هو يدخل عـلى أمير المؤمنين عـمر بن الخطاب - رضى الله عـنه ، فأجلسه عـلى متكئه فقال : ما عـلى الأرض أحد أحق بهذا المجلس من هذا إلا رجل واحد ، قال له خباب : من هو يا أمير المؤمنين ؟ قال : بلال ، فقال خباب : ما هو بأحق منى ، إن بلالاً كان له فى المشركين من يمنعـه الله به ، ولم يكن لى أحد يمنعـنى ن فلقد رأيتنى يوماً أخذونى فأوقدوا لى ناراً ثم سلقونى فيها ، ثم وضع رجل رجله عـلى صدرى ، فما اتقيت الأرض ، أو قال : برد الأرض ، إلا بظهرى ، قال : ثم كشف عـن ظهره فإذا هو قد برص .
 وبعـد عـمر طويل ملئ بالعـذاب والبذل والتضحية نام خباب عـلى فراش الموت ، وهو فى أشد الشوق للقاء الحبيب صلى الله عـليه وسلم .
 عـن طارق بن شهاب قال : جاء خباباً نفر من أصحاب محمد صلى الله عـليه وسلم فقالوا : أبشر يا أبا عـبدالله ، إخوانك تقدم عـليهم غـداً ، فبكى ، وقال : أما إنه ليس بى جزع ولكن ذكرتمونى أقواما وسميتم لى أخواناً ، وإن أولئك مضوا بأجورهم كما هى ، وإنى أخاف أن يكون ثواب ما تذكرون من تلك الأعـمال ما أوتينا بعـدهم .
 وعـن أبى وائل شقيق بن سلمة قال : دخلنا عـلى خباب بن الأرت فى مرضه فقال : إن فى هذا التابوت ثمانين ألف درهم ، والله ما شددت لها من خيط ، ولا منعـتها من سائل ، ثم بكى فقيل : ما يبكيك ؟ فقال : أبكى أن أصحابى مضوا ولم تنقصهم الدنيا شيئاً وإنا بقينا بعـدهم حتى ما نجد موضعـأً إلا التراب .
 وعـن قيس بن أبى حازم قال : أتينا خباب بن الأرت نعـوده وقد اكتوى فى بطنه سبعـاً ، فقال : لولا أن رسول الله صلى الله عـليه وسلم نهانا أن ندعـوا بالموت لدعـوت به ، فقد طال مرضى ، ثم قال : إن أصحابنا الذين مضوا لم تنقصهم الدنيا شيئاً ، وإنا أعـطينا بعـدهم ما لا نجد له موضعـاً إلا التراب .
 وهكذا لم يحجب نفسه عـن دين الله لحظة واحدة ولم يحجب ماله عـن الفقراء طرفة عـين ، وفاضت روحه إلى بارئها ليجبر الله كسره فى الجنة ولينسى العـذاب الذى كان فى الدنيا ولينعـم بصحبة الحبيب صلى الله عـليه وسلم - رضى الله عـنهم .
 وتوفى خباب بالكوفة سنة سبع وثلاثين ، وهو ابن ثلاث وسبعـين سنة ، وصلى عـليه عـلى بن أبى طالب حين منصرفه من صفين ، وهو أول من قبر بظهر الكوفة .
 وقال ( عـلى ) رضى الله عـنه ، وهو واقف عـلى قبره : رحم الله خباباً ، فلقد أسلم راغـباً وهاجر طائعـاً وعـاش مجاهداً .