أبي الدرداء

  حكيم هذه الأمة
 إن ربى وعـدنى بأبى الدرداء أن يسلم
                             محمد رسول الله صلى الله عـليه وسلم

 إنه الإمام القدوة قاضى دمشق وصاحب رسول الله صلى الله عـليه وسلم
 أبو الدرداء حكيم هذه الأمة وسيد القراء بدمشق
 وتصدر للإقراء بدمشق فى خلافة عـثمان ، وقبل ذلك .

  إسلامه :

 كان أبو الدرداء تربطه بعـبد الله بن رواحة ( فى الجاهلية ) صداقة ومحبة فقد كانا متأخيين فى الجاهلية ، فلما جاء الإسلام اعـتنقه عـبدالله بن رواحنة وأعـرض عـنه أبو الدرداء .
 وتمر الأيام والليالى وما زال أبو الدرداء عـلى الشرك .
 وفى يوم من الأيام خرج أبو الدرداء كعـادته إلى متجره وأخذ يبيع ويشترى ثم عـاد إلى منزله وهو فى غـاية الأشتياق لرؤية إلهه ( الصنم ) الذى كان يعـبده ، وإذا به يجد مفاجأة لم تخطر بباله أبداً .
 فلقد دخل بيته - وهو غـائب عـنه ، عـبدالله بن رواحة ومحمد بن مسلمة فكسرا صنمه ، فرجع يجمع الصنم ، ويقول : ويحك ، هلا امتنعـت ! ألا دفعـت عـن نفسك .
 فقالت أم الدرداء : لو كان ينفع أو يدفع عـن أحد ، دفع عـن نفسه ، ونفعـها .
 فقال أبو الدرداء : أعـدى لى ماء فى المغـتسل ، فاغـتسل ولبس حلته ، ثم ذهب إلى النبى صلى الله عـليه وسلم فنظر إليه ابن رواحة مقبلاً ، فقال : يا رسول الله ، هذا أبو الدرداء ، وما أراه إلا جاء فى طلبنا ؟ فقال : ( إنما جاء ليسلم إن ربى وعـدنى بأبى الدرداء أن يسلم ) .
 ومنذ أن أشرقت شمس الإسلام فى قلب أبى الدرداء لم تغـب عـنه لحظة واحدة ، فقد كان يعـيش الإسلام قلباً وقالباً ، لقد كان يترجم آيات القرآن إلى واقع عـملى منظور يراه الناس فيرون الإسلام من خلاله .
 قال سعـيد بن عـبدالعـزيز : أسلم أبو الدرداء يوم بدر ، ثم شهد أحداً ، وأمره رسول الله صلى الله عـليه وسلم يومئذ أن يرد من عـلى الجبل ، فردهم وحده .
 وكان قد تأخر إسلامه قليلاً .


  زهده فى الدنيا :

 قيل لأبى الدرداء : مالك لا تشعـر فإنه ليس رجل له بيت فى الأنصار إلا وقد قال شعـراً ؟ قال وأنا قد قلت فاسمعـوا :
  يريد المرء أن يعـطى مناه      ويأبى الله إلا ما أرادا
 يقول المرء فائدتى ومالى         وتقوى الله أفضل ما استفادا
 ولم يكن هذا مجرد كلام ليس له نصيب عـلى أرض الواقع ، بل كان أبو الدرداء - رضى الله عـنه ، يتعـايش مع تلك الكلمات قلبا وقالبا ، فانصرف عـلى عـبادة الله وأقبل عـلى العـلم والعـمل حتى إنه كان تاجراً كبيراً فأحس أن التجارة ستشغـله عـن طاعـة ربه فتركها .
 قال أبو الدرداء : كنت تاجراً قبل المبعـث ، فلما جاء الإسلام ، جمعـت التجارة والعـبادة فلم يجتمعـا ، فتركت التجارة ، ولزمت العـبادة .
 قال الإمام الذهبى : قلت : الأفضل جمع الأمرين مع الجهاد ، وهذا الذى قاله ، هو طريق جماعـة من السلف والصوفية ، ولا ريب أن أمزجة الناس تختلف فى ذلك ، فبعـضهم يقوى عـلى الجمع ، كالصديق ، وعـبدالرحمن بن عـوف ، وكما كان ابن المبارك ، وبعـضهم يعـجز ، ويقتصر عـلى العـبادة ، وبعـضهم يقوى فى بدايته ، ثم يعـجز ، وبالعـكس ، ولكن لابد من النهضة بحقوق الزوجة والعـيال .
 بل لقد انشغـل بالعـبادة حتى نسى حظ نفسه من كل متاع الدنيا ، ونسى حظ زوجة ( أم الدرداء ) فلقد كان النبى صلى الله عـليه وسلم آخى بين سلمان الفارسى وأبى الدرداء ، فجاءه سلمان يزوره ، فإذا أم الدرداء متبذلة ، فقال : ما شأنك ؟ قالت : إن أخاك لا حاجة له فى الدنيا ، يقوم الليل ، ويصوم النهار ، فجاء أبو الدرداء ، فرحب به وقرب إليه طعـاماً ، فقال له سلمان : كل ، قال : أنى صائم ، قال : أقسمت عـليك لتفطرن ، فأكل معـه ، ثم بات عـنده فلما كان من الليل ، أراد أبو الدرداء أن يقوم ، فمنعـه سلمان وقال : إن لجسدك عـليك حقا ولربك عـليك حقا ، ولأهلك عـليك حقا ، صم وأفطر ، وئت أهلك ، وأعـط كل ذى حق حقه .
 فلما كان وجه الصبح ، قال : قم الآن إن شئت : فقاما فتوضآ ، ثم ركعـا ، ثم خرجا إلى الصلاة ، فدنا أبو الدرداء ليخبر رسول الله بالذى أمره سلمان : فقال له : ( يا أبا الدرداء ، إن لجسدك عـليك حقا ، مثل ما قال لك سلمان ) .
 وعـن محمد بن كعـب : أن ناسا نزلوا عـلى أبى الدرداء ليلة قرة ، باردة ، فأرسل إليهم بطعـام سخن ولم يرسل إليهم باللحف ، فقال بعـضهم : لقد أرسل إلينا بالطعـام فما هنأنا مع القر لا أنتهى أو أبين له قال الآخر : دعـه ، فأبى فجاء حتى وقف عـلى الباب رآه جالساً وامرأته معـه ، فرجع الرجل وقال : ما أراك بت إلا بنحو ما بتنا به ، قال : إن لنا داراً ننتقل إليها قدمنا فرشنا ولحفنا إليها لو ألفيت عـندنا منه شيئا لإرسلنا إليك به ، وإن بين أيدينا عـقبة كؤوداً المخف فيها خير من المثقل ، أفهمت ما أقول لك ؟ قال : نعـم .

 كلمات تتألق روعـة وجمالاً :

 لقد كان أبو الدرداء - رضى الله عـنه ، حكيم هذه الأمة ، ولذلك فإننى أهدنى لحضراتكم باقة عـطرة من كلماته التى يجب أن تنقش عـلى صفحات القلوب بماء الذهب .
 عـن عـون بن عـبدالله قال : قلت لأم الدرداء : أى عـبادة أبى الدرداء كانت أكثر ؟
 قالت : التفكر والاعـتبار .
 وعـن أبى الدرداء : تفكر ساعـة خير من قيام ليلة .
 وقيل لأبى الدرداء وكان لا يفتر من الذكر ، كم تسبح فى كل يوم ؟ قال : مئة ألف ، إلا أن تخطئ الأصابع .
 وقال - رضى الله عـنه ( لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس فى جنب الله ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا ) .
 وقال أبو الدرداء : أدركت الناس ورقا لا شوك فيه فأصبحوا شوكاً لا ورقة فيه ، إن نقدتهم نقدوك وإن تركتهم لا يتركوك قالوا : فيكف نصنع ؟ قال : تقرضهم من عـرضك ليوم فقرك .
 وجاء رجل إلى ألى الدرداء فقال : أوصنى ، قال : اذكر الله فى السراء يذكرك فى الضراء ، وإذا ذكرت الموتى ، فاجعـل نفسك كأحدهم ، وإذا أشرفت نفسك عـلى شئ من الدنيا ، فانظر إلى ما يصير .
 وكتب أبو الدرداء إلى مسلمة بن مخلد : سلام عـليك ، أما بعـد ، فإن العـبد إذا عـمل بمعـصية الله ، أبغـضه الله ، فإذا أبغـضه الله بغـضه إلى عـباده .
 وقال أبو وائل ، عـن أبى الدرداء : إنى لآمركم بالأمر وما أفعـله ، ولكن لعـل الله يأجرنى فيه .
 وقال أبو الدرداء : مالى أرى عـلماءكم يذهبون ، وجهالكم لا يتعـلمون ، تعـلموا ، فإن العـالم والمتعـلم شريكان فى الأجر .
 وقال أبو الدرداء : لن تكون عـالماً حتى تكون متعـلماً ، ولن تكون متعـلماً حتى تكون بما عـلمت عـاملاً ، إن أخوف ما أخاف إذا وقفت للحساب أن يقال لى : ماعـملت فيما عـلمت .
 وقال أبو الدرداء : ويل للذى لا يعـلم مرة ، وويل للذى يعـلم ولا يعـمل سبع مرات .
 وقال أبو الدرداء : لو أنسيت آية لم أجد أحداً يذكرنيها إلا رجلاً ببرك الغـماد ، رحلت إليه .
 وعـن شرحبيل ، أن أبا الدرداء كان إذا رأى جنازة قال : اغـدوا فإنا رائحون ، وروحوا فإنا غـادون ، موعـظة بليغـة ، وغـفلة سريعـة ، كفى بالموت واعـظاً ، يذهب الأول فالأول ويبقى الآخر لا حلم له .
 وكان أبو الدرداء يقول : اللهم إنى أعـوذ بك من تفرقة القلب ، قيل : وما تفرقة القلب ؟ قال : أن يوضع فى كل واد مال .
 وعـن أبى الدرداء قال : استعـيذوا بالله من خشوع النفاق ، قيل : وما خشوع النفاق ؟ قال : أن يرى الجسد خاشعـا والقلب ليس بخاشع .
 وعـن أبى الدرداء قال : لولا ثلاث ما أحببت البقاء : ساعـة ظمأ الهواجر ، والسجود فى الليل ومجالسة أقوام ينتقون جيد الكلام كما ينتقى أطايب الثمر .

 مكانته فى قلوب الصحابة ( رضى الله عـنهم ) :

 ولقد احتل أبو الدرداء - رضى الله عـنه ، مكانة سامية فى قلوب الصحابة - رضى الله عـنهم .
 فعـن مكحول : كان الصحابة يقولون : أرحمنا بنا أبو بكر ، وأنطقنا بالحق عـمر ، وأميننا أبو عـبيدة ، وأعـلمنا بالحرام والحلال معـاذ ، وأقرأنا أبى ورجل عـنده عـلم ابن مسعـود وتبعـهم عـويمر أبو الدرداء بالعـقل .
 وقال ابن إسحاق : كان الصحابة يقولون : أتبعـنا للعـلم والعـمل أبو الدرداء .
 وعـن يزيد بن عـميرة ، قال : لما حضرت معـاذاً الوفاة قالوا : أوصنا ، فقال : العـلم والإيمان مكانهما ، من ابتغـاهما وجدهما ، قالها ثلاثاً ، فالتمسوا العـلم عـند أربعـة : عـند عـويمر أبى الدرداء ، وسلمان ، وابن مسعـود ، وعـبدالله ابن سلام ، الذى كان يهودياً فأسلم .
 قال أبو ذر لأبى الدرداء : ما حملت ورقاء ، ولا أظلمت خضراء ، أعـلم منك يا أبا الدرداء .
 وعـن مسروق ، قال : وجدت عـلم الصحابة انتهى إلى ستة : عـمر ، وعـلى ، وأبى ، وزيد ، وأبى الدرداء ، وابن مسعـود ، ثم انتهى عـلمهم إلى عـلى وعـبدالله .
 وقال خالد بن معـدان : كان ابن عـمر يقول : حدثونا عـن العـاقلين ، فيقال : من العـاقلان ؟ فيقول : معـاذ ، وأبو الدرداء .
 وعـن يزيد بن معـاوية ، قال : إن أبا الدرداء من العـلماء الفقهاء ، الذين يشفون من الداء .

 خوفه من المظالم :

 وكان أبو الدرداء - رضى الله عـنه - ( عـندما تولى القضاء ) يخشى من الظلم أيما خشية ، فعـن يحيى بن سعـيد قال : كان أبو الدرداء ، إذا قضى بين اثنين ، ثم ادبرا عـنه ، نظر إليهما ، فقال : ارجعـا إلى ، أعـيدا عـلى قضيتكما .

 حرصه عـلى الأخوة الصادقة :

 عـن أم الدرداء قالت : كان لأبى الدرداء ستون وثلاث مئة خليل فى الله ، يدعـو لهم فى الصلاة ، فقلت له فى ذلك ، فقال : إنه ليس رجل يدعـو لأخيه فى الغـيب ، إلا وكل الله به ملكين يقولان : ولك بمثل .
 أفلا أرغـب أن تدعـو لى الملائكة .
 وكان إذا رأى مسلماً قد أذنب ذنبا يأخذ بيديه إلى الله ولا يسلمه للشيطان فيجعـله ييأس من رحمة الله - جل وعـلا .
 فعـن أبى قلابة ، أن أبا الدرداء مر عـلى رجل قد أصاب ذنبا فكانوا يسبونه : فقال : أرأيتم لو وجدتموه فى قليب - بئر ، ألم تكونوا مستخرجيه ؟ قالوا بلى ، قال : فلا تسبوا أخاكم ، واحمدوا الله عـز وجل الذى عـافاكم ، قالوا : أفلا تبغـضه ؟ قال : إنما أبغـض عـمله ، فإذا تركه فهو أخى .


  صاحب القلب الرقيق :

 لقد كان أبو الدرداء صاحب قلب رقيق حتى إنه كان يبكى إذا رأى العـذاب ينزل عـلى أمة كافرة ، فقد كان يتمنى من سويداء قلبه أن يسلم الناس جميعـاً لله - عـز وجل ، لتشملهم رحمة الله التى وسعـت كل شئ .
 فعـن أبن جبير ، عـن ابيه ، قال : لما فتحت قبرس ، مر بالسبى عـلى أبى الدرداء ، فبكى ، فقلت له : تبكى فى مثل هذا اليوم الذى أعـز الله فيه الإسلام وأهله ؟ قال : يا جبير ، بينا هذه الأمة قاهرة ظاهرة إذ عـصوا الله ، فلقوا ما ترى ، ما أهون العـباد عـلى الله إذا هم عـصوه .
 وهكذا كان يعـلل الهزائم التى تلحق بالأمم بأن السبب الأساسى فيها هو الوقوع فى معـصية الخالق - جل وعـلا .
 وكيف لا وقد قال تعـالى : ( ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزى القوم المجرمين ) .
 وقال تعـالى : ( وكأين من قرية عـتت عـن أمر ربها ورسله فحاسبناها حساباً شديداً وعـذبناها عـذابا نكراً ، فذاقت وبال أمرها وكان عـاقبة أمرها خسرا )
 وقال تعـالى : ( فكأين من قرية أهلكناها وهى ظالمة فهى خاوية عـلى عـروشها وبئر معـطلة وقصر مشيد ) .

 وصيته الخالدة لأهل دمشق :

 وفى خلافة الفاروق - رضوان الله عـليه ، أراد من أبى الدرداء أن يلى له عـملاً فى الشام فأبى ، فأصر عـليه ، فقال أبو الدرداء : إذا رضيت منى أن أذهب إليهم لأعـلمهم كتاب ربهم ، وسنة نبيهم وأصلى بهم ذهبت ، فرضى منه عـمر بذلك ، ومضى هو إلى ( دمشق ) فلما بلغـها وجد الناس قد أولعـوا بالترف ، وانغـمسوا فى النعـيم ، فهاله ذلك ، ودعـا الناس إلى المسجد ، فاجتمعـوا عـليه فوقف فيهم وقال : يا أهل ( دمشق ) أنتم الإخوان فى الدين ، والجيران فى الدار ، والأنصار عـلى الأعـداء ، يا أهل ( دمشق ) ما الذى يمنعـكم من مودتى والاستجابة لنصيحتى وأنا لا أبتغـى منكم شيئاً ، فنصيحتى لكم ، ومؤنتى عـلى غـيركم ، مالى أرى عـلماءكم يذهبون وجهالكم لا يتعـلمون ؟ وأراكم قد أقبلتم عـلى ما تكفل لكم به الله - عـز وجل ، وتركتم ما أمرتم به ؟ ما لى أراكم تجمعـون ما لا تأكلون ، وتبنون ما لا تسكنون ، وتؤملون ما لا تبلغـون ، لقد جمعـت الأقوام التى قبلكم وأملت فما هو إلا قليل حتى أصبح جمعـهم بوراً ، وأملهم غـروراً وبيوتهم قبوراً .
 هذه ( عـاد ) يا أهل ( دمشق ) قد ملأت الأرض مالاً وولداً فمن يشترى منى تركه ( عـاد ) اليوم بدرهمين .
 فجعـل الناس يبكون حتى سمع نشيجهم من خارج المسجد .
 ومنذ ذلك اليوم طفق أبو الدرداء يؤم مجالس الناس فى ( دمشق ) ويطوف بأسواقهم فيجيب السائل ، ويعـلم الجاهل ، وينبه الغـافل ن مغـتنما كل فرصة مستفيداً من كل مناسبة .

 حرصه عـلى رعـيته :

 ولقد عـلم أبو الدرداء - رضى الله عـنه ، أنه راع وأنه مسئول أمام الله - جل وعـلا ، عـن تلك الرعـية .
 فكان يحرص عـلى أن يظفر لابنته بزوج صالح يعـينها عـلى أمر دينها ، وإن كان لا يملك شيئا من حطام الدنيا .
 وفى تلك الفترة التى قضاها فى دمشق بعـث إليه معـاوية بن أبى سفيان يخطب ابنته ( الدرداء ) لابنه يزيد ، فأبى أن يزوجها له ، وأعـطاها لشاب من عـامة المسلمين رضى دينه وخلقه .
 فسار ذلك فى الناس ، وجعـلوا يقولون : خطب يزيد بن معـاوية بنت أبى الدرداء فرده أبوها ، وزوجها لرجل من عـامة المسلمين .
 فسأله سائل عـن سبب ذلك ؟
 فقال : إنما تحريت فيما صنعـته صلاح أمر الدرداء .
 فقال : كيف ؟
 فقال : ما ظنكم بالدرداء إذا قام بين يديها العـبيد يخدمونها ، ووجدت نفسها فى قصور يخطف لألاؤها البصر .
 أين يصبح دينها يؤمئذ .

 وحان وقت الرحيل :

  وبعـد حياة طويلة مملوءة بالجهاد والطاعـة والتضحية والفداء مضى أبو الدرداء إلى ربه تاركاً الدنيا بجسده كما تركها بقلبه من قبل ، فقد كان يعـيش بجسده فى الدنيا وقلبه يطير فى جنة الرحمن التى فيها ما لا عـين رأت ولا أذن سمعـت ولا خطر عـلى قلب بشر .
 عـن معـاوية بن قرة أن أبا الدرداء اشتكى فدخل عـليه وأصحابه فقالوا : ما تشتكى ؟ قال : أشتكى ذنوبى ، قالوا : فما تشتهى ؟ قال : أشتهى الجنة ، قالوا : أفلا ندعـو لك طبيباً ؟ قال : هو الذى أضجعـنى .
 وكان - رضى الله عـنه ، يقول : أحب الموت اشتياقا إلى ربى وأحب الفقر تواضعـاً لربى وأحب المرض تكفيراً لخطيئتى .
 وإذا بأم الدرداء تأخذ وصيتها الأخيرة من الزاهد الذى ترك الدنيا بكل زخارفها وزينتها .
 قالت أم الدرداء لأبى الدرداء : إن احتجت بعـدك أآكل الصدقة ؟ قال : لا ، اعـملى وكلى ، قالت : فإن ضعـفت عـن العـمل ، قال : التقطى السنبل ولا تأكلى الصدقة .
 واقتربت اللحظات الأخيرة من حياة هذا البطل الزاهد وإذا به يقول : من يعـمل لمثل يومى هذا ؟ من يعـمل لمثل ساعـتى هذه ؟ من يعـمل لمثل مضجعـى هذا ؟ ثم يقول : ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ) .

 أم الدرداء تخطب أبا الدرداء من ربها :

 وإذا بأم الدرداء التى أحبت زوجها من كل قلبها تخشى أن تدخل الجنة ولا تكون زوجة له فى الجنة ، كما كانت زوجته فى الدنيا .
 فقامت وتوجهت إلى ربها وقالت : اللهم إن أبا الدرداء خطبنى فتزوجنى فى الدنيا ، اللهم فأنا أخطبه إليك ، فأسألك أن تزوجنيه فى الجنة ، فقال لها أبو الدرداء : فإن أردت ذلك وكنت أنا الأول فلا تزوجى بعـدى ، قال : فمات أبو الدرداء ، وكان لها جمال وحسن ، فخطبها معـاوية فقالت : لا والله لا أتزوج زوجاً فى الدنيا حتى أتزوج أبا الدرداء إن شاء الله - عـز وجل - فى الجنة .
 وفاضت روحه الطاهرة عـلى أرض دمشق سنة اثنتين وثلاثين فى خلافه عـثمان - رضى الله عـنه .

 رؤيا تملأ القلب فرحاً وسروراً :

 وعـن عـوف بن مالك الأشجعـى قال : رأيت فى المنام كأنى أتيت مرجاً أخضر ، فيه قبة من أدم ، حولها غـنم ربوض تجتر وتبعـر العـجوة ، فقلت : لمن هذه ؟ فقيل : لعـبدالرحمن بن عـوف ، فانتظرته حتى خرج من القبة فقال : يا عـوف بن مالك هذا ما أعـطانا الله - عـز وجل - بالقرآن ، ولو أشرفت عـلى هذه الثنية لرأيت ما لم تر عـينك وسمعـت ما لم تسمع أذنك ولم يخطر عـلى قلبك ، أعـده الله - عـز وجل - لأبى الدرداء لأنه كان يدفع الدنيا بالراحتين والنحر .